يحيى بن معاذ الرازي

172

جواهر التصوف

الباب الحادي والعشرون النّفس - القلب - الرّوح قال يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى : 262 - « أنت لا تكلّف من الدنيا إلا نفسا واحدة ، فأنت إن أصلحتها ، لم يضرّك فساد غيرها » . * قال تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [ الشمس : 7 - 10 ] صدق اللّه العظيم . خلق الإنسان وله أعداء منهم ما هو ظاهر جلىّ وهو معروف له ، ومنهم ما هو خفىّ كالشيطان ومعنوي كالهوى ، وهما أعدى أعدائه . . وعداوة الشيطان قديمة وموروثة من يوم امتناع إبليس عن السّجود لأبينا آدم عليه السلام . أما الهوى فهو المعبّر عنه بالنفس الأمّارة في قوله تعالى : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] ومتى استجابت النفس لما ركب في صاحبها من غريزتى الشهوة والغضب تآلف معها الشيطان ، واجتمع على الإنسان عدوّاه ينزلقان به إلى حضيض الحيوانية وسلوكيات الشياطين . ولما زكت النفس صارت لوّامة ، فحمدها اللّه وأقسم بها في كتابه العزيز : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [ القيامة : 2 ] . وهذه النفس هي نفس الإنسان أي ذاته وحقيقته العالمة باللّه وبسائر المعلومات . وهي المرحلة الأولى في مدارج الرّقىّ إلى النفس الملهمة ، فالمطمئنّة ، فالراضية ، فالمرضيّة ، فالكاملة . * وإصلاح النفس يمر بمرحلتين : الأولى : عملية معرفيّة حتى يميّز العبد في مجال الاعتقاد بين الحقّ والباطل ، وفي مجال الأقوال بين الصّدق وغيره ، وفي مجال الأخلاق والأفعال بين ما حسّنه الشّرع وقبّحه الشّرع . المرحلة الثانية ولها شقّان : 1 - عمل في الظاهر : وهو ترويض النفس على شؤون العبادة ، بإلزام الجوارح طاعة اللّه في العبادات والمعاملات ، في افعل ولا تفعل بعزم وحزم واهتمام . 2 - عمل باطنىّ : وهو ترويض النفس على شؤون العبودية ، ويتم ذلك عن طريقين : ( أ ) تصحيح النّيّات : فيكون العمل كله خالصا لله ، لا يقصد به إلا وجهه ؛ قال تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : 110 ] .